الشيخ أحمد بن علي البوني

395

شمس المعارف الكبرى

باب في ذكر فضائل الصنعة اعلم أن الباري جل وعلا علم آدم الأسماء كلها وعلمه كيف يستخرج جميع المعادن من الأرض وتركيب الصنعة منها فلما أتقنها وأحسنها علمه اللّه صنعة الذهب والفضة ، فأحب أن يعلمها ابنه شيث ، فقال آدم عليه السّلام إن اللّه أمرني أن لا أعلمها إلا للمتعبدين من أولادي ، فذهب شيث وعبد اللّه 40 سنة ، فأوحى اللّه إلى آدم أن علم شيثا الصنعة الإلهية ، فإنه ولي من أوليائي ، فأخبره آدم فقال له : أخاف أن تشغلني عن عبادة ربي ، فعلمها وعملها من يومه ، وعرف من أي شيء يكون الذهب والفضة والدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ، وحل كل صعب ، وتليين كل منكسر ، وعقد كل سيال ، فإذا هو من أهون شيء في أعين الناس ويحتقرونه ويتباعدون منه ، ويدوسونه بأقدامهم في الطريق . واعلم أن اللّه رفع إدريس ، فأول علم علمه له بعد آدم علم النجوم ، واشتق منه علم الصناعة الإلهية بوحي من اللّه ، فلما كان في زمن الطوفان ، وإنه سيهلك ما على وجه الأرض ، فنقشوه في البرابي في أرض مصر واخميم ، فحفظ من الطوفان . واعلم أن اللّه لما كلم موسى تكليما شكا إليه موسى الفقر ، فعلمه علم الصنعة الإلهية ، فحلى بها التوراة وأقال بها بني إسرائيل فقال موسى : لبيك يا رب وخر ساجدا شكرا للّه وقال : إلهي سبحانك ما أعظم شأنك وأعز سلطانك ، فعلمه من حكمته فقال موسى عليه السّلام : رب اجعلها رحمة ورزقا لبني إسرائيل ، وزدني بها يقينا ، فإن الخير كله بيدك وحدك لا شريك لك . وذكر أن موسى عليه السّلام وجدها في أرض شعيب تقوم من ستة أحجار ، فرصدها قارون وحلها وعرفها ، واستغنى وملأ كنوزا ولحقه العجب والزهو بنفسه وكثرة ماله وسعة أحواله قال تعالى : وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ وقوله تعالى : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ثم طلب منه موسى زكاة أمواله ، فحسبها فوجدها كثيرة جدا ، فامتنع من أدائها ، فدعا عليه موسى ، فخسف اللّه به وبداره الأرض ، وقد صنعها إبراهيم الخليل عليه السّلام ، وداود وسليمان وجميع الأنبياء لكونهم كانوا فقراء ، فأغناهم اللّه بها لأن اللّه لا يؤتيها إلا من اصطفاه ليكون قوتهم في الدنيا حلالا ، فتصفو بها قلوبهم وجعلها لهم رحمة ، وعلى الكافرين حسرة مثل : قارون وفرعون وهامان وشداد بن عاد ، والنمرود بن كنعان وغيرهم ، ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول : اعلم وفقني اللّه وإياك أن زحلا من الكواكب العليا ، وجسده الأسرب ، ويليه المشتري وجسده القلعي ، ويليه المريخ وجسده الحديد ، والشمس وجسدها النحاس ، وعطارد وجسده الزيبق ، والقمر وجسده الفضة على ترتيب الأفلاك كما تقدم . واعلم أن النور الظاهر كالشعاع ، والشعاع باطن النور ، فلكل شعاع نور ، ولكل نور شعاع ، والشعاع حقيقة المشار إليه ، والمشار إليه حقيقة النور والروح والعالم النباتي ، كما أن الشعاع لذات الروح ، وأن الحيوان أفاض عليه الشعاع أولا ، ثم النور ثانيا ، ثم أفاض على لطيفه الشعاع ، وعلى كثيفة النور ، فلذلك كان العالم السفلي كله بين شعاع ونور ، فسر الحياة الشعاع ، وسر النمو النور ، وسر الغذاء الجسمانيات ، فالشعاع من باطن النبات والنور من ظاهر النبات فظاهر النبات ، في النمو لنمو الأجساد ، وباطن النبات من الشعاع لحياة النفوس التركيبية ، فالنبات إذا